08.10.2007

وظيفة المدرسة والرأسمال الثقافي للطفل -ج2

 

وظيفة المدرسة والرأسمال الثقافي للطفل.

-  الجزء الثاني-

 

فالطفل دائما محور التربية من كلاربيد إلى جون ديوي وغيرهما...، والتربية اليوم يجب أن تهتم بالطفل أكثر مما تهتم بالمناهج التعليمية، تفاديا لخلق مقصيين من المدارس، قد يكرسون واقعا اجتماعيا أكثر إقصاءا وتهميشا لأن هؤلاء هم ضحايا وظيفة المدرسة أو لأنهم غير مؤهلين قبليا بسبب مواقعهم وانتماءاتهم الطبقية ومن الخطأ الاعتقاد اليوم بأن التربية تعيد إنتاج المجتمع، والتربية لم توجد من ذاتها ولأجل ذاتها كما يرى المثاليون ولكنها جزء من النضال الاجتماعي حيث تنعكس مميزاته، والتربية تبعا لذلك لا يمكن عزلها عن الجو العام السائد داخل المجتمع، سياسيا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا.

... وهذا ما يفسره العدد المتزايد من الأطفال الذين يتركون المدرسة سنويا، وفي سن مبكرة والمنتمين في أغلب الحالات إن لم نقل جلها إلى الطبقات المهمشة والمحرومة يتحدث ماركس عن طفل إذا كان يعرف أنه إذا كان التكوين الاجتماعي لا يعيد إنتاج شروط الإنتاج في نفس الوقت الذي ينتج فيه التكوين الاجتماعي لا يمكنه متابعة مدة سنة، وكتب التوسير بأن الشروط الأخيرة للإنتاج هي إعادة إنتاج شروط الإنتاج التي هي في نفس الوقت إعادة إنتاج القوى المنتجة وإعادة إنتاج تقارير الإنتاج.

يرى جميل سالمي في كتابه أزمة التعليم وإعادة الإنتاج الاجتماعي بالمغرب أن عدم تكافئ الفرص بين الذكر والأنثى بين الحضري والريفي، وبين مختلف أبناء الفئات والشرائح الاجتماعية يعود هذا الوضع بالنسبة للمجتمع المغربي إلى عدة اعتبارات سياسية واقتصادية ترتبط بالتوجهات التنموية والاجتماعية العامة وبمواقفها وتصوراتها للحلول الملائمة لما يدعى بالمسألة الاجتماعية في مختلف أبعادها وجوانبها وهذا دليل على غياب الدمقرطة الشاملة للتربية والتعليم والتكوين . كما يلاحظ أيضا وبشكل كبير عدم التطابق والتكامل ببين النظام التعليمي وبين مختلف قطاعات المجتمع بشكل عام. بالإضافة إلى غياب سياسة تربوية واعية تأخذ بعين الاعتبار كل النواحي الاجتماعية للطفل، لتفعيل التواصل بين المدرسة والأسرة والمحيط الاجتماعي، وعملية التواصل هاته عملية معقدة تهدف إلى تحقيق التفاعل الاجتماعي بين أفراد المجتمع على اختلاف أعمارهم وفئاتهم وأدوارهم ومواقعهم والتفاعل الاجتماعي يعتمد على الاتصال حيث يحدث تأثير متبادل في السلوك ويتضمن التفاعل الاجتماعي عناصر ذات تنظيم نفسي واجتماعي لدى الأفراد والجماعات، وعملية معرفية متعددة كالإحساس والإدراك والتفكير وما يترتب على ذلك من تغيرات في سلوك الفرد والجماعة.وتشمل عملية الاتصال هاته علاقة الطفل بالأسرة وبالمدرسة وبالمحيط الذي ينتمي إليه.

إن الإشكالية التي تطرح نفسها وبإلحاح داخل حقل سوسيولوجية التربية بالمغرب اليوم، هي علاقة المؤسسة المدرسية بمحيطها السوسيو اقتصادي والثقافي للمجتمع، وكيف يمكن تحويلها من مجرد آلة لتكوين أطر الدولة وإعادة إنتاج ذاتها في الزمن، إلى مؤسسة تعليمية تعمل على إعداد أفراد فاعلين ومندمجين داخل المجتمع؟

إن علاقة المدرسة بالأسرة وبالمحيط أصبحت اليوم أكثر تعقيدا من ذي قبل، بسبب التحولات التي يشهدها المجتمع وبسبب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية فالأسرة المغربية تمر الآن بمرحلة تحول نحو النظام النووي جعلها أكثر تعرضا للانحلال والتفكك من أي وقت مضى، في ظل ظروف اقتصادية مزرية يشهدها المجتمع الحالي. وكذا الفقر والأمية حيث يعتبران سببا في الانحلالات الأسرية، وسببا في تفاقم المشاكل داخل البينية الأسرية، كما أن خروج المرأة إلى العمل وتحول موقعها داخل الأسرة، حيث تزايدت نسبة النساء العاملات الشيء الذي أدى إلى تضارب أدوارها في الأسرة، وتنافر القيم والعلاقات التي تربط أعضاءها، خصوصا وأن الكثير من النساء يعولن أسرا لانتشار البطالة بين الرجال وكذا الإقبال على تشغيل النساء لضعف أجورهن أدى إلى حالات شاذة داخل الأسرة كالطلاق وعدم الاستقرار والصراع الدائم، كما أن انشغال الآباء والأمهات ذوي الدخل المحدود بتحصيل لقمة العيش أدى إلى إهمال وتقصير في مراقبة دراسة أبنائهم، وحتى إذا ما أتيحت الفرصة لمراقبة واجبات التلميذ المدرسية، فإن أغلب الآباء والأمهات يكونون ضعيفي التكوين العلمي، ونادرا أيضا ما يحضر الآباء إلى المدرسة لمتابعة الأمور بها.   

ففي غالب الأحيان يلقون على عاتق المدرسة مسؤولية التعليم والتربية، ولا يحملون أيضا أي مشروع دراسي لأبنائهم، كما أن هناك أيضا أجواء أسرية لا تسمح ولا تضمن شروط وأجواء الدراسة. كما أن ضعف الإمكانيات الاقتصادية للأسرة لتلبية حاجيات الطفولة يفضي إلى الاستغناء عن المدرسة قبل ولوجها أو تركها مبكرا، تؤدي بالأطفال إلى البحث عن مدخول إضافي لإعانة العائلة أو تدبير الأمور الشخصية، والحالة التي وصلت إليها المؤسسة التعليمية وكذا طوابير الخريجين العاطلين انعكس سلبا على تحفيز أطفال الطبقات الدنيا إلى الدراسة، بحيث أصبحت المدرسة في نظر الكثير منهم، مضيعة للوقت لوجود سواء إخوة لهم أو جيران موجزون عاطلون، إن وجود الأعداد الضخمة من الخريجين العاطلين، أعطى للمدرسة صورة فضيعة في أعين الأطفال الصغار، وخصوصا عندما تكون الظروف الاجتماعية والاقتصادية للأسرة لا تسمح بشكل كاف لمتابعة الدراسة في ظروف أفضل حيث يضطر الأطفال إلى تفضيل العمل أو الصنعة، كما يفضلون تسميتها، في سن مبكرة بدلا من ضياع الوقت في المدرسة التي لم تعد تنتج في نظرهم إلا البطالة، ووجود البطالة لدى حاملي الشهادات وبنسبة كبيرة أدى إلى تغيير نظرة الآباء إلى المدرسة، لقد أصبحت تمثل شبحا مخيفا للأسر ذات الدخل المحدود.

 مما جعل الآباء يترددون الآن حين يسألون عن دور المدرسة، فهم يتحدثون عن واقع معاش مر، وعن مستقبل أسوأ، ويرون في تعلم الصنعة كمنقذ من الوقوع في شباك البطالة، إن أغلب العائلات التي ضحت من أجل تعليم أطفالها تتحدث اليوم عن كونها أضاعت الكثير مما تملك من الجهد والوقت والمال، ولا نتيجة لذلك، فلماذا تعاد الكرة من جديد، فالهدف بالنسبة للآباء من الطبقات الدنيا، اليوم هو تعليم أطفالهم إلى حدود الابتدائية فقط، إنهم يقولون هذا يكفي لكي لا يبقى الطفل أميا وبعد ذلك عليه أن يبحث لنفسه عن طريق آخر، قبل فوات الأوان، مما يضع المدرسة مرة أخرى في مأزق، لقد أكدت الأبحاث أن اهتمام الآباء من الطبقة الوسطى بصيرورة العمل داخل المدرسة يعطي حافزا للأبناء للحصول على نتائج جيدة، فبالأحرى الطبقات الغنية، وهذا دليل على حضور الوضعية الاجتماعية والثقافية داخل المدرسة وترجمتها إلى استحقاقات فردية ومواهب شخصية عكس الأطفال المنحدرين من طبقات دنيا الذين لا يجدون أي توافق بين ثقافة المدرسة والأسرة والمحيط الذي يعيشون فيه، فلا يستطيع أن يصل منهم إلى نهاية المسار إلا القليل، وهو ما جعل المدرسة في علاقة غير متكاملة مع المحيط الاجتماعي، وبدت أكثر حاجة إلى إعادة النظر في ذاتها لتجاوز التفاوتات بين التلاميذ بسبب الإرث الثقافي.

إن مجمل هاته الأوضاع والتغيرات التي مست الأسرة والمدرسة، كانت سببا وراء تأزم الفوارق الاجتماعية وتكريس سلطة الفقر والتهميش، والاستغلال البشع لأجساد فتية ضحايا الإقصاء المدرسي أو ظروف اجتماعية قاسية منعتهم من ولوج المدرسة، والمجتمع لا يستطيع إلا أن يطرح أسئلة تثقل رؤوس زهور لم تنفتح بعد، وتتطلع إلى حلول وأجوبة بعيون ذات نظرة بريئة وناقمة في نفس الوقت.    

 

 

 

 

26.05.2007

.وظيفة المدرسة والرأسمال الثقافي للطفل ج1

 وظيفة المدرسة والرأسمال الثقافي للطفل.

   - الجزء الأول-

إن سؤال التربية المدرسية يبدأ مند العهد الإغريقي وبطريقة مرتبطة أكثر بالنظام السياسي للمدينة، لقد كان التعليم في العهد الوسيط من الاختصاصات الكبرى للكنيسة، وفي نهاية القرن التاسع عشر بدأت تظهر بعض الانتقادات للنظام التعليمي القائم. وظهر جليا المطلب إلى تربية حديثة يكون فيها الطفل أكثر حرية وذلك بواسطة مناهج نشيطة للتربية. وكان ديوي ومونتسوري وكلاربيد ودكرولي وبينيت... من أكثر المعارضين، وبذلك أخذت التربية طريقا آخر، واعتبر القرن العشرين قرن الطفل كما عبر عن ذلك الين كيت في كتابه علاقة الطالب الأستاذ الصادر سنة 1901 : "إن جودة التعليم التي نريدها في حالة التعليم المعطى هي بدلالة منهاج محدد مستعمل من طرف أستاذ محدد لطلبة محددين من أجل هدف محدد".

 ونصت وثيقة إعلان حقوق الإنسان الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة في 10 دجنبر 1948 على وجوب التعليم الابتدائي الإلزامي المجاني الذي يبدأ في سن السادسة من العمر، ولم تعد غاية التعليم الابتدائي قاصرة على محو الأمية أو على مجرد الإعداد لمرحلة التعلم التالية، بل هي تتضمن أيضا تزويد الأطفال بما يحتاجون إليه في الحياة من عناصر الثقافة الأولية، وتربية قوامهم البدنية والفكرية والخلقية وتنمية عواطفهم القومية، وبذلك كثر الحديث كما يرى جون بياجي عن كيفية تعلم المرء، وكذا تطلعات الآباء والمدرسين، والبحث عن الأساليب المفضية إلى إشباع الحاجة وحل المشكلة، ويضيف أن حقيقة التعلم ليس الخبرة فقط، وليس الذكاء فقط، وإنما هي من المؤكد الحياة.

إن الطفل حين يصل سن التمدرس، تكتسب المدرسة دورا هاما في حياته اذ يناط بها مسؤولية تلبية حاجياته الأساسية للتعرف والاكتشاف، كما تمارس دورها التعليمي من قراءة وكتابة، علاوة على أنها تقدم له الإجابات على تساؤلاته وتساعده على فهم الواقع الذي يحيط به فهما مقصودا، إلا أن كل ما تزوده به، وتشبع به حاجاته الذهنية ليس حياديا، بمعنى أنه ليس مجردا، بل متضمن لصور الجماعة ومواقفها، والقيم التي تؤمن بها، فتنقلها له عبر محتويات مواد الدراسة من ناحية وبواسطة العلاقات التي تباشرها معه وتشجعه على تبادلها مع الآخرين، وهي بذلك وبوصفها مؤسسة اجتماعية تقدم ما لم تستطع الأسرة تقديمه للطفل وتلبي حاجياته العلمية والمعرفية وتكتسب بالمقابل اعترافا بسلطتها عليه، ويصبح بذلك الطفل خاضعا لكل من الأسرة والمدرسة، ويبدو أن المدرسة أخدت دورا أوسع من التعليم وتجاوزت هذا المفهوم إلى مفهوم التربية الذي يهدف إلى بناء التلميذ معرفيا وثقافيا واجتماعيا وسلوكيا. فالمدرسة بذلك لا يمكن أن تنفصل عن المجتمع الذي توجد فيه، كما أنها لا يمكن إلا أن تتفاعل مع التغيرات الحادثة في هذا المجتمع ومع الثيارات التي ستحدث وإلا تخلفت عنه، إنها بوصفها مؤسسة اجتماعية أساسية تمثل جزءا هاما من المجتمع الذي نعيش فيه، تتأثر به وتؤثر فيه مستجيبة للمطالب التي تفرضها قيم الجماعة عليها، وتعد بذلك الناشئة وتشكلها للعيش في المجتمع والمساهمة فيه.

والمؤسسة المدرسية تتحدد أبعادها بأبعاد المجتمع الذي تخدمه، ولا يقتصر عمل المدرسة على إعداد الجيل الصغير للاشتراك في حياة الجماعة والتكيف معها. ولكن تضمن أيضا القدرة على تجديد هذه الحياة وعلى تطعيمها بالدم الجديد، الذي يبعث فيها الحركة والنمو، وعلى هذا الأساس تستجيب المدرسة لمطالب التغير الاجتماعي وتحدياته في المجتمع الذي تعيش فيه وتعمل في الوقت نفسه على أن تكون رائدة لهذا التغير ومبشرة به وموجهة إليه، طريق هذا الجيل الصغير الذي تعده وتشكله .

وللمدرسة وظيفتين اثنتين : الاستفادة من الإرث الماضي، وتحضير تحولات المستقبل، وليس صدفة كما يرى الان جيرار أن لا توجد تنظيمات للبحث والتي تولى جانبا من اهتماماتها إلى المشاكل الرئيسية الحالية للتعليم أو تكوين المهنيين. وظلت بذلك المدرسة بعيدة عن النقد لمدة طويلة لكونها مؤسسة رسمية ترتبط بالنظام القائم فتراكمت الأخطاء وسيطرت البيروقراطية المريضة على الجهاز التربوي حتى تباطأ أداؤها بشكل لا يتفق مع إيقاع العصر وأثقل الكم مسيرة التربية. فبدأت تفقد قدرتها على تحقيق الكيف وانعزلت المدرسة عن المجتمع، وفشلت في استيعاب ثورة الاتصال وأصبح من الضروري إعادة النظر في الاستراتيجيات التربوية، وإحداث تغييرات جذرية في أداء المدرسة وعلاقتها بالمحيط.       

 ليست المشكلة أنه يجب على المدارس أن تسهم في تكوين المجتمع الجديد. ولكن المشكلة فيما إذا كان يجب على المدارس أن تقوم بهذا العمل وهي عمياء. أو أن تقوم به مع أكثر قدر ممكن من الذكاء الشجاع والمسؤولية ويضيف جون ديوي إن مواضيع الدراسة لن تكون سوى تغذية تؤهل الطفل لنمو حر. ويضيف أن المدرسة هدفها فقط خدمة الحياة الاجتماعية.

إلا أن التعليم يحدث بطريقة أفضل إذا كان مرتبطا بشكل حيوي بالثقافة السائدة، وعندما تؤدي التمزقات الاجتماعية إلى أن تصبح هذه الروابط صعبة التحقيق فإن التعليم تعترضه عقبات شديدة، وتؤثر بذلك على المردود التربوي. ويؤدي التقسيم غير المناسب إلى استئصال الأفراد ويفصلهم عن واقعهم المعاش ويمزق حياتهم إلى اثنين، ويخلق فواصل عميقة بين كل فرد وبيئته وكذا بين الآباء والأبناء، والطفل الذي ينتمي إلى عائلة تطبعها الأمية يشعر بهوة كبيرة بينه وبين المدرسة. يتبع الجزء الثاني...

20.05.2007

مدرسة إعادة إنتاج الطبقات. ج2

   مدرسة إعادة إنتاج الطبقات.

                                                           الجزء الثاني

إن الهدف من المدرسة وهي الوظيفة الأساسية التي أنشأت من أجلها هي ضمان تربية وتعليم متساوي للجميع بغض النظر عن  الطبقة  الاجتماعية التي ينتمي إليها التلميذ، وليس كمؤسسة اجتماعية لا تختار تلقين إلا الذين يستجيبون للمقاييس التي يحددها مسبقا ويصادق عليها الضابط الاجتماعي.

والمدرسة التي اعتبرت لزمن طويل ميكانيزم مصحح لعدم تكافؤ الفرص منذ نشأتها، تظهر الآن غير قادرة على لعب هذا الدور المنوط بها، وبتعبير التوسير أن الأجهزة الإيديولوجية للدولة تعيد إنتاج تقارير الإنتاج السائد. والمدرسة أصبحت جهاز الدولة الإيديولوجي المهيمن مكان الكنيسة التي مارست هذا الدور إلى حدود القرن الثامن عشر.

وحول دورها في الحراك الاجتماعي يرى العربي أبا عقيل إن الجيل الثاني اعتقد كثيرا أن الطريقة الوحيدة للتدرج الطبقي وضمان ظروف حياتية أحسن هو الإنجاب الكثير. إلا أن هذا الخيال الذي هيمن على الطبقات الشعبية باء بالفشل، فقط 0,88  % تم التحاقهم بالطبقة المتوسطة، وأن نسبة الحراك الاجتماعي التي سادت السبعينات تفوق بكثير ما كانت عليه في البداية الثمانينات. وهذا دليل على أن المدرسة لم تلعب ذلك الدور الذي اعتقده الجيل الثاني كمصدر لتغيير المواقع الاجتماعية، هاته المواقع لا تحصل إلا بعد مستوى ثقافي وتكويني، ولكن لا يمكن الحديث عن حراك اجتماعي إلا حين يحصل فيها الفرد على موقعه الاجتماعي والذي يمكن مقارنته بوضع أبيه.

وفي إطار النظريات الوظيفية يتحدث سوروكين عن كون كل مجتمع يحوي مجموعة من الميكانيزمات للإنتاج وإعادة إنتاج البنى الاجتماعية للأفراد، ويرى أن الأسرة كأحد دعائم التوجيه ومن أجل إستمراريتها في الزمن فهي المسئولة عن الحراك الاجتماعية للأفراد، لكون هذا الحراك المتعدد الاتجاهات يهدف إلى إضعاف الاستمرارية الأسرية،فالأسرة إذن تهدف إلى منح الطفل مستوى من الطموح الدراسي محدد بموقعه الخاص، وشدة مراقبة الأسرة مرتبطة بالنسق الاجتماعي، فهي قصوى المجتمعات التقليدية، بينما بدأت تضعف في المجتمعات الحديثة لتوجه الأسرة نحو النظام النووي ويضيف بارسونز بارسونز أن الأسرة تلعب دورا أساسيا في صيرورة جيل عدم تكافؤ الفرص، والأسرة تتضمن نسقا تضامنيا، والعائلة هكذا لا يمكن أن لا يكون لها تأثير هام على الطموحات المدرسية للأطفال، وهكذا  فالميكانيزمات الشاملة لعدم تكافؤ الفرص أمام التعليم أقل ارتباطا بمستويات النسق الاجتماعي في كليته. وأكثر ارتباطا على مستوى محيط الفرد، ولهذا يلجأ معظم السوسيولوجيين إلى تحليل تأثير المحيط على المحفزات الفردية.

إن اللامساواة في الحظوظ الملاحظ من خلال النتائج الدراسية أو على المستوى المدرسي بصفة عامة، يرجع بالأساس إلى العادات، القيمة المعطاة للعلم، الرأسمال الثقافي، الحالة العائلية، الاستقرار الأسري... وهاته القيم تختلف من طبقة إلى أخرى حسب الظروف الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للأسرة وللمجتمع عموما.

وحسب المجتمعات، وأثناء نموها، فإن دور الأسرة والمدرسة أقل أو أكثر أهمية، وحسب سوروكين  دائما فإن دور المدرسة يزداد حينما يقل دور الأسرة، وحين يتوقف دور كليهما وبطريقة فجائية عن أداء دورهما في توجيه الأفراد نحو بنى اجتماعية، تظهر حركات نقدية احتجاجية لتغيير هاته البنى. وهو ما ترجمته انتفاضة طلاب فرنسا في مايو 1968، حيث تم نقد المجتمع بطريقة عنيفة، وقد رأى المحتجون في باريس، أن التربية الحالية هي عبد الرأسمالية، وان الجامعة لا تقوم سوى بتوزيع معارف موجهة مسبقا لإعادة إنتاج المبجل البورجوازي ، نفس الشيء عبر عنه المحتجون في بكين ، بكون التربية لا تخلق إلا الفوارق الاجتماعية وتعمل على تكوين المتفوقين البورجوازيين فالتربية تبعا لذلك تسهر على توزيع الحظوظ ولا تعمل على تساويها.

ولكن حين نتحدث عن وظيفة إعادة الإنتاج الاجتماعي للتربية، ودورها في التقدم الثقافي، فهي تساهم في خلق نقد مضاد، فالتعليم ليس دائما وبصفة مطلقة إيديولوجية أو سلطة الطبقة السائدة، ولكن نجاعته تشتق من منطقة الخاص وحرية الأفراد. وردا على أولئك الذين لا يحملون إلا كلمة إيديولوجيا في أفواههم، فالمدرسة هي أيضا منبع العلم، وتلقين العلم يكون ويؤدي إلى ظهور النقد، الذي قد يكون ضد التعليم نفسه.

والهدف المنشود من التربية الحديثة هو ضمان فرص تربوية متساوية للجميع، من أجل تربية فعالة تتيح للناشئة ضمان اندماج لائق وعادي في المجتمع، إلا أن المدرسة كما يرى ذلك اليتش تاريخيا وبغض النظر عن مكانها لا يمكن أن تمثل العامل الأحسن والأوحد للتربية، والفكرة السائدة لدى الجميع بأن التربية تقوم في معظمها على أساس التعليم فكرة خاطئة، ويتساءل اليتش أليس هناك دور للحياة خارج المدرسة؟

إن التربية الحديثة اليوم تقوم على تكامل الفاعلين الاجتماعيين، بين الأسرة والمدرسة والمجتمع ولكي يصل المجتمع إلى نضجه، ويتجاوز طفولته ذاتها، يجب أن يصبح قابلا لأن يعيش فيه الصغار، والتربية الحديثة التي نريدها في مجتمع أكثر تطورا، هي تلك التي تتجاوز التربية التقليدية المبنية على التلقين، أي تقدم التربية على التعليم. من أجل أطفال مكونين تكوينا متكاملا ومتسقا، بحيث لا يغدو أكثر علما ومعرفة فقط بل أكثر نموا وتفتحا وقدرة على التفكير والإبداع وأكثر امتلاكا لوسائل التعليم أكثر من امتلاكه لمعلومات محددة. وهو ما عبر عنه جون جاك روسو حين أراد خلق الإنسان القابل للتعلم وليس الإنسان المتعلم. فالتربية الحديثة تهدف إلى تربية الشخصية لدى الطفل من كل نواحيها، وخصوصا الإنسانية. إن التعلم في فرنسا Instruire مشتقة من Struere اللاتينية وتعني التكوين والتكديس، وهو تكديس المعلومات في الفكر، في مفهومه الضيق، أما عمل التربية فأنفذ وأعمق ف Ducere اللاتينية تعني أن نخرج من الطفل جميع ضروب الغنى الكامنة فيه، ونظهرها  بعد خفاء ونفتحها حتى مداها، ونساعد الطفل ليكون "من هو" على حد تعبير نيتشه.

 

مدرسة إعادة إنتاج الطبقات ج1

مدرسة إعادة إنتاج الطبقات.   الجزء الاول

 

إن المدرسة في مجتمعنا هي إحدى مؤسسات المجتمع المدني الأساسية التي تنتظم في نسق كلي للمجتمع وفق قواعد محددة، وتخصصت تاريخيا في مجال الممارسة التربوية الثقافية، وتلتقي بذلك في وظيفتها وتتكامل مع الأسرة في مجال التنشئة الاجتماعية الثقافية، وقد نشأت المدرسة في المجتمع البشري الذي عرف تقسيم العمل وتشكل الدولة لتكون رديفا للأسرة في الوقت الذي استحال فيه على الأسرة  تلقين النشء مختلف المعارف الثقافية، وهي تؤدي دورها هذا المنوط بها تحت هيمنة الدولة، والطبقة السائدة. فهي إحدى أجهزة الدولة الإيديولوجية في مجال الفعل التربوي، يقول ماركس: إن الأفكار السائدة هي أفكار الطبقة السائدة وهي أيضا أفكار الهيمنة .والسمة السائدة  والطاغية على مؤسساتنا التعليمية هي سمة السلطوية التي ورثها نظامنا التعليمي عن النظام التعليمي التقليدي وطمعها الاستعمار لخدمته تم حافظت البورجوازية على إستمراريتها بعد الاستقلال. وقد بقي النظام التعليمي ممزقا وتابعا للمركز الاستعماري على المستوى التنظيمي وعلى مستوى التسيير زد على ذلك محتوى البرامج والمناهج المدرسية. كما أن الطبقة المسيطرة تهيمن بشكل مفرط على مراقبة الانتقاء لتكريس طابع التراتبية .وهكذا فالمدرسة اليوم تلعب دورا أساسيا في إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية السائدة في المجتمع محققة هيمنة الدولة وسيادتها بواسطة الإقناع والتراضي حسب تعبير غرامشي أو بواسطة عنف وإكراه وقسر يختلف عن عنف الدولة المادي بكونه عنفا رمزيا حسب بيير بورديو.

    ويعرف لينين المدرسة بكونها أداة هيمنة طبقية في يد البورجوازية، إن هاته الطبقة المهيمنة كما يرى بورديو وباسرون، لا ترى أو أنها لا تريد أن ترى العلاقة بين التفاوتات الاجتماعية والتفاوتات المدرسية، إنهم يفسرون- الطبقة السائدة- النجاح المدرسي بكونه تفاوتا بالملكات، وبرأيهم مشكل الملكات الفكرية يطرح فقط لدى الغير المتفوقين والراسبين من أبناء الطبقات المقهورة والنجاح المدرسي في رأي البورجوازية المسيطرة يرجع إلى ميزان شخصية خاصة منذ الولادة، والمدرسة لا تخلو من انعكاس التناقضات الدولة/ المجتمع على بيئتها وأدائها الوظيفي، فكل الصراعات القائمة بين القوى الاجتماعية بسبب مواقعها المتفاوتة في بنية الإنتاج المادي والثقافي للمجتمع، تخترق المجال المدرسي وتثوي في مضامين القرارات والمناهج وطرق التلقين، وهذا دليل قاطع على الارتباط الكبير بين المدرسة ومحيطها الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي... بالدولة وبالمجتمع المدني.

  إن كل خلل وظيفي أو أنوميا بتعبيردوركايم يطرأ داخل المجتمع لأي سبب كان يؤثر سلبا ويخلق أزمة داخل المدرسة يكون لها تأثير على إعادة إنتاج الدولة لذاتها، وكذا إعادة إنتاج النظام الاجتماعي في مجمله. وعندما يخترق هذا الخلل الزوج السائد الأسرة/ المدرسة داخل النظام الدولتي حتى يتعرض الوجود الاجتماعي كله لخطر التفكك والانهيار.

إن المدرسة اليوم في المجتمع لا تعيد إنتاج المجتمع المبني على تساوي الحظوظ، إنها لا تزال تتخبط في إرث الإيديولوجية القديم. إرث البورجوازية المسيطرة.

إن تأثير المدرسة من حيث: نمط الحياة، التربية الأسرية والحظ في التربية كلهم مختلفين، فثقافة الطبقات المحظوظة تتساوق مع ثقافة المدرسة، وعاداتهم تماثل العادات المكتسبة داخل المدرسة. فالمدرسة نظام خاص من أنظمة التفاعل الاجتماعي جعلها أكثر أهمية. وهي تتميز عن محيطها بالروح التي تسود داخلها وهي الشعور بالنحن، وبذلك فهي لا تعمل على صنع المستقبل دون اعتبار للحاضر. وإنما يجب أن ترتكز على حاضر التلميذ من جميع الجوانب، وفي تركيزها على الحاضر إنما تعد وبشكل جيد للمستقبل في الوقت ذاته كما يرى جون ديوي.

 إلا أن ثقافة المدرسة كما يرى باسرون و بورديو، ليست على نحو مباشر هي الثقافة البورجوازية. لكنها متساوقة معها بكيفية مباشرة، خصوصا عبر السلوكات الذهنية، واللسانية والثقافة، وتم تصور أشغال المدرسة وخصوصا اشتغال العلاقة البيداغوجية كآلة لإنتاج التفاوتات الاجتماعية، إذ لا يمكن الحديث عن فرصة تساوي الحظوظ ليس لآن المواهب التي تتحدث عنها الطبقات المهيمنة موزعة بكيفية متفاوتة بل لأن المدرسة تشجع التدابير الخاصة بالطبقات المبجلة، إن جل ميكانيزمات المدرسة هي في الأصل أساليب لانتقاء أطفال الطبقة المحظوظة وإقصاء الآخرين. فمدرسة إعادة الإنتاج حسب بورديو لا تنتج أطفالا أحرارا، خصوصا وأن التفاوتات المدرسية منظور إليها كتفاوتات في الاستحقاق. تضفي الشرعية على التفاوتات الاجتماعية التي تصدر عنها وتعيد إنتاجها.

 إن المدرسة أداة للخضوع والامتثال، وسواء باسرون و بورديو أو اسطابلي وبانديلو يربطون وظيفة المدرسة ببنية الطبقات الاجتماعية. أما اليتش حين ينتقد المدرسة يرى أنها تنتج التفاوتات الطبقية. فهي تلعب بذلك دور المحدد الأساسي في التقسيم الطبقي، ويضيف اليتش أن المدرسة مكان لم يلجه نصف البشر وتبقى بذلك المدرسة لا تهدف إلا لتطوير صناعات عقول مملوءة وهو نوع آخر من التبضيع الدراسي والثقافي. إن تنظيم وظيفة النظام التعليمي تترجم باستمرار وبواسطة شفرات متعددة التفاوتات الطبقية على المستوى الاجتماعي إلى تفاوتات على المستوى المدرسي.

 

01.04.2007

نحو إعادة التفكير في مفهوم

نحو إعادة التفكير في مفهوم الاسرة والتربية

  

مما لاشك فيه تكتسي المؤسسة الاسرية دورا هاما في هذا المجال إلى جانب المؤسسات الاجتماعية الاخرى والمحيط الاجتماعي. فالانسان تتنازعه مند الولادة حاجتان اساسيتان متعارضتان : الأولى حاجته إلى الامن ويعبر عنها الطفل برغبته في الارتباط بوالديه، والثانية حاجته إلى الاستطلاع والمجازفة ويعبر عنها برغبة الطفل في استكتشاف المجال المحيط به، هذه الثنائية المتعارضة تظهر في مختلف مراحل العمر إلا أنها تتفاوت من مرحلة إلى أخرى. يرى الكثيرون على أن الأسرة تنظيم اجتماعي دفعت إليه الحاجة البيولوجية للإنسان، كما يعبر عن ذلك مالينوفسكي  حين يربط الأسرة بغريزة بيولوجية هي الجنس. وإذا ما أخدنا بهذا الرأي فإننا نسقط في مفهوم استاتيكي وثابت للأسرة، أما حين نريد طرح مسألة الأسرة من خلال العلاقات القائمة والمتبادلة بين أعضاءها في إطار المسؤولية والسلطة والتبعية إلى غير ذلك فنحن بصدد تحليل المفهوم الدينامي المتطور للاسرة وأن الانسان يتميز بخاصية الانفتاح ولا يتحدد بيولوجيا، كما يرى ن. الياس في تحليله للعلاقات العاطفية.

إن الخطاب السوسيولوجي حول الاسرة يعالج بالدرجة الأولى اليوم انماطا محدودة من الأسر. يرى أنها جديرة بالاهتمام والدراسة تنتمي إلى طبقة محددة داخل المجتمع، إلا أن هذا الاختيار لا يبرر بما فيه الكفاية ويتم تعميم الخطاب على المجتمع وعلى النظام الاجتماعي. مما يطرح مشكلة الشمولية داخل اطار مجتمعي ذو علاقات متمايزة. فحتى داخل الاسر النووية مثلا، تختلف العلاقات التي تربط مختلف اعضاءها. من أسرة نووية لأخرى، فالعلاقات وتبادل الادوار داخل اسرة نووية تختلف من أسرة مثقفة إلى أخرى. وخصوصا في بلادنا لم ترق الدراسات السوسيولوجية حول الاسرة ودورها التربوي إلى المستوى المطلوب من أجل تفعيل دورها كبنية اجتماعية محددة لكل أشكال الانظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية... ويتحدث عن ذلك دوركايم في تحليلاته عن الأسرة في درسه الرابع في علم الاجتماع، الاخلاق المدنية. يقول ، ليس هناك مجتمع سياسي لا يحتوي في صميم تشكيله من العائلات المتباينة او من الجماعات المهنية المختلفة، أو من كلتيهما معا، ولو كان هذا المجتمع السياسي محصورا في مجتمع منزلي، لكان في الامكان دمجه بهذا المجتمع. ولأصبح مجتمعا منزليا، لكنه منذ أن تكون من عدد معين من المجتمعات المنزلية، فإن المجتمع المتكون على هذا النحو صار شيئا آخر مختلف عن كل عناصره، وهذا أمر جديد ينبغي الدل عليه بكلمة مختلفة. 

إذن من نافلة القول أن الاسرة من أهم عوامل التربية والتنشئة الاجتماعية. فالتربية الاسرية من أهم الخبرات التي يمر منها الانسان في حياته. ودور الاسرة الحاسم في تشكيل سلوك الطفل وبناء شخصيته من القضايا القليلة التي لا يختلف بشأنها الاخصائيون الاجتماعيون والنفسيون والتربويون. والأسرة لاتشكل سلوك الطفل وقدراته في مرحلة الطفولة، الاولى فقط بل في مراحل النمو بأكملها، وإذا كانت تحدد وترسم ملامح نموه في مرحلة الطفولة، فهي تحدد كذلك مدى استقلاليته ومفهومة لداته في مرحلة لاحقة، ومدى شعوره بالطمأنينة وتحقيقه لداته، ووضوح أهدافه في مرحلة لاحقة، فالاسرة تبعا لذلك هي الوحدة الأساس في كل المجتمعات البشرية بصرف النظر عن الاختلافات الثقافية وهي لا تعمل على تلبية حاجيات الطفل الاساسية من مأكل وملبس ومأوى فحسب ولكنها تلبي حاجياته الانسانية الحياتية الاخرى. كالحاجة إلى الانتماء والحب، وتنقل عبر الاجيال التقاليد والقيم الثقافية والروحية والاخلاقية، إنها أشبه ما تكون بعملية تعليم مشروطة يتم الربط فيها ما بين الاشكال والانماط والقوالب السلوكية التي يرغب في أن ينشأ الطفل عليها والتي تكون تجسيدا لثقافة المجتمع وحضارته وبين الاشباعات الضرورية واللازمة له عضويا وتسمى هذه العملية بالتنشئة الاجتماعية فبواسطتها تتحقق استمرارية قيم الجماعة. فاحتلت بذلك مكانة مهمة لم تحتلها أية مؤسسة اجتماعية أخرى عبر التاريخ فيما يتعلق بالتنشئة، فقد تولت تعليم الاطفال وإعدادهم للمستقبل، إلا أن التطور الذي عرفته المجتمعات جعل الاسرة في مفترق الطرق  وتغيرت بذلك الأدوار التربوية للأسرة حيث سلبت المجتمعات الحديثة الاسرة وظائفها تدريجيا، فوظائف الاسرة في القديم كانت واسعة تشمل معظم شؤون الحياة. والمجتمعات الحديثة أخدت تنتقص شيئا فشيئا هاته الوظائف وهذا ما نراه في كلام كونط حول الاسرة في درسة 48 من دروس الفلسفة الوضعية عام 1839 حيث يقول : «  إن الإصابات الخطيرة التي تصاب بها هذه المؤسسة مباشرة اليوم ينبغي النظر إليها بوصفها من أشد اعراض ميلنا الاجتماعي العابر إلى الفوضى، إلا أن انتقادات كهذه، وهي تتمة طبيعية للغلو الحتمي للفكر الثوري المتصل بفوضانا الفكرية، ليست بوجه خاص خطيرة حقا إلا بسبب العجز الراهن الشديد للمعتقدات التي مازالت ترسى عليها، وحدها الافكار العائلية على غرار كل التصورات الأخرى. » وهذا دليل على بداية التحولات داخل الخلية الأسرية مع بداية عهد التصنيع، وظهورالمجتمع الصناعي، إلا أنها تبقى المؤسسة الأكثر أهمية في النظام الاجتماعي وهو ما يؤكده كونط في درسه 50 حيث يرى على أن الوحدة الاجتماعية الحقيقية تكمن يقينا في الأسرة وحدها وأنها هي البدرة الضرورية لكل الاستعدادات الاساسية التي تميز الجسم الاجتماعي العضوي.ورغم هذه التحولات العميقة التي عرفتها الأسرة. تضل الاطار العام الذي يغطي جميع الادوار الاجتماعية المختلفة التي يلعبها الفرد على مسرح الحياة. وهي الاساس الذي يحيط باستجابات الفرد المختلفة اتجاه بيئته التي يعيش فيها .وكل تقصير في أحد ادوارها يؤدي إلى اضطربات ونفسية وسلوكات شادة تدفع بالطفل نحو الضياع والانحراف والتشرد، فالاسرة اذن عبارة عن منظومة تتكامل داخلها الادوار والتفاعلات كوحدة وظيفية لا يمكن أن تمارس وظائفها إلى في اطار الاستقرار النسبي، فهي المؤسسة الاولى التي تضمن للطفل نموا، وتطبيعا اجتماعيا، وتمارس أول مراقبة لسلوكه. ودور الاسرة سلطوي ويحدد بطريقة محددة مستقبل الطفل، والأسرة تمارس على الأطفال نموذجا ثقافيا خاصا، وهذا صحيح لكل أنواع المجتمعات كيفما كانت تقليدية أو ذات تصنيع عالي. ولفهم الادوار التي تقوم بها الأسرة ينبغي أن نذكر بأن الاسرة نظام اجتماعي يشتمل على اربع مكونات رئيسية :

1- المصادر : وتشمل الوسائل المتاحة للاسرة لإشباع الحاجات الفردية والجماعية لافرادها.

2- التفاعل : تمثل العلاقات بين افراد الاسرة وباقي اعضاء المجتمع.

3- الوظائف : وهي كل الحاجات التي تتحمل الاسرة مسؤولية تلبيتها.

4- السيرورة : انها سلسلة التغيرات التي تلحق بالأسرة.

وبتكامل هاته الأدوار يمكن  للاسرة أن تؤدي دورها المنوط بها، ويشعر أفرادها بالارتباط الاسري والعاطفي القوي من جهة وبالاستقلالية والخصوصية من جهة أخرى. مما يقلل نسبة التفككات العائلية التي تؤثر على سلوك الطفل باعتبارها اللبنة الأولى التي يتعامل من خلالها الطفل، ويبدأ تكوين ذاته والتعرف على نفسه عن طريق عملية الأخد  والعطاء والتعامل بينه وبين اعضاءها.

ويؤثر المركز الاجتماعي والاقتصادي للأسرة في شخصية الطفل تكوينا واتجاها.  فالأسرة ذات المستوى الاقتصادي العالي تتيح لاطفالها فرص التمتع بالخدمات الاجتماعية المختلفة بسهولة ويسر مما يؤدي إلى أن تستغل طاقات هؤلاء الافراد وقدراتهم إلى اقصى حد ممكن، بينما يكون المركز الاقتصادي والاجتماعي المتدهور عائقا أمام تمتع افراد هذه الاسر بالخدمات الاجتماعية وخاصة التعليمية منها.

ودور الاسرة نحو الطفل يتمثل في ثلاث وظائف أساسية هامة في المجتمع :

1- انها تنتج الاطفال وتمدهم بالبنية الصالحة لتحقيق حاجاتهم البيولوجية والاجتماعية.

2         - انها تعدهم للمشاركة في حياة المجتمع وفي التعرف على قيمه وعاداته.

         3- انها تمدهم بالوسائل التي تهيء لهم تكوين ذواتهم داخل المجتمع.

إلا أن التغيرات التي طرأت على الأسرة جعلتها مقسمة بين تيارين تيار الجيل القديم والتيار الجديد، مما أدى إلى تنافر بين الاباء والابناء، ونتج عن ذلك نضال فكري يتضح في ثورة الجديد على القديم، ولا شك في أن التربية تقوم بدورأساسي في تعريف الجيل القديم بما تحقق من تطور وبالطرق التربوية الحديثة التي يجب أن تسود معاملات الاباء للأبناء في هذا العصر الذي يحس فيه الجيل الجديد بنوع من الاستقلالية والشخصية الانفرادية.

إن تبني الاباء لمواقف متطرفة ومتعصبة في تعاملهم مع الابناء كالإفراط في الحماية، والرفض والاهمال، أو قساوة المعاملة، غالبا ما يقود إلى عدم النضج وافتقار الشخصية إلى التكامل، فحماية الطفل بشكل مفرط بدون مبرر. هي في الواقع حرمان له من فرص ضرورية للنمو والتكيف والقدرة على مواجهة تحديات مصاعب الحياة اليومية. كما أن الإهمال والرفض والعنف لايولد إلا السلوكات الشادة. ومن جهة أخرى فخلافات الوالدين لها تأثيرات كبيرة على نمو شخصية الطفل واكتمالها، كما أن التشاجر بين الزوجين أمام مرأى الاطفال وباستمرار يولد لدى الطفل شعورا بالقلق والتوثر ويكونون أقل قدرة على التعامل مع مشاعرهم وسلوكهم وميولاتهم. فالجو الاسري السلبي عموما وكيفما كانت الاسباب يقود إلى مشكلات سلوكية عالية من الضيق النفسي، وتبين أن الخلافات الزوجية، في مرحلة ماقبل المدرسة، تترك تأثيرات طويلة الأمد تستمر إلى مرحلة متقدمة من العمر. يكون الابناء أقل قدرة من غيرهم على بناء علاقات اجتماعية ايجابية مع المحيط ومع الاخرين، وأقل قدرة على ممارسة الضبط الداتي، ورغم أن الخلافات والمشاجرات بين الزوجين عملية طبيعية في الحياة الاسرية مادامت في حدود معينة إلا أن الصراعات الدائمة بين الزوجين التي تحدث على مرأى الاطفال الصغار قد تكون لها انعكاسات سلبية على الاطفال.

فالروابط الأسرية إذن هي نتائج تفاعلات معقدة بين جملة من العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية، ويتحدد ترابط الاسرة على ضوء عوامل داخلية وخارجية، فالمحيط الاجتماعي له تأثير كبير على الوسط الاسري، إذا كانت الاسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع. وأساس وجوده. فالمجتمع هو الذي يشكل وينظم نمط الاسرة ووظائفها، أما العوامل الداخلية والتي تشمل طرق استجابة أفراد الاسرة كل منهم للآخر ومدى إشباعهم لحاجاتهم بشكل تبادلي ومستوى الانسجام والتجانس فيما بينهم، فإنها لاتقل أهمية من العوامل الخارجية على صعيد تحقيق الترابط، والحياة الأسرية بما تتضمن من تفاعلات مستمرة بين عدة مستويات وأطراف متفاوتة من الاعتماد المتبادل، قد تنطوي على صعوبات مختلفة مثلما تنطوي على الشعور بالأمن والانتماء، والنتائج المحتملة كوحدة وظيفية أصبحت أكثر وضوحا من ذي قبل. اضف إلى ذلك التحولات التي تعرفها الاسرة اليوم في مجتمعنا، تحولها من الأسرة الممتدة إلى النووية يستغرق وقتا طويلا. وفي ظل ظروف اقتصادية واجتماعية مزرية، سيكون الثمن المدفوع لذلك، هم الأطفال، عكس ما حدث بأوربا ، حيث تزامن التحول مع بداية التصنيع، ولذلك فإن تحول الأسرة اليوم يتزامن مع عصر العولمة والازمات الاجتماعية الحادة، والنمو الديموغرافي السريع، سيؤثر بدون شك على البنية الاسرية، وسيجمعها عرضة للأزمات أكثر من أي وقت مضى ويؤدي بالتالي إلى تردي دورها التربوي وإلى ظهور حالات طفولة شادة.

 

13.03.2007

التربية رأس مال مصير الانسانية

التربية رأس مال مصير الانسانية علاقة المدرسة بالمجتمع

 

يرى  جورج جورفيتش أن سوسيولوجيا القرن التاسع عشر، إذا كانت، ربما تتميز بأحادية البعد فإن سوسيولوجيا القرن العشرين وقبل كل شيء متعددة الأبعاد، إنها سوسيولوجيا ، العمق1. وليس صدفة أن تتعدد ميادين السوسيولوجيا، لتعدد الظواهر الإجتماعية وتعقد المشاكل المعاصرة، التي صاحبت التطور الحضاري والصناعي للمجتمع البشري، وأضحت السوسيولوجيا علما متعدد الإختصاصات ومن بين هذه الاختصاصات تحتل سوسيولوجيا التربية مكانا مهما لدورها الكبير في اعداد مستقبل المجتمعات الإنسانية. قال البروفيسور جون فوراستيي  سنة  1958: "بلد غير متقدم يعني بلد غير متعلم" . معلنا بذلك الرباط القوي بين التربية والتقدم الحضاري، ويضيف أن البحث في التربية هو رأس  مال مصير الإنسانية، والاطفال الذين يعتبرون حاليا الساكنة التعليمية يتم تحضيرهم لأعمال المستقبل من خلال التربية إلا أن أهميتها الاقتصادية تظهر للبعض الآن كميدان غير مربح، وتقدم التعليم لايتوقف فقط على العوامل الديمغرافية، بل أيضا الظروف الإقتصادية، الإجتماعية والثقافية والتي تعتبر فعلا موضوع تحليل سوسيولوجيا التربية.

من هذا المنطلق أصبح ضروريا الاحتفاظ لسوسيولوجيا التربية بدراسة مختصة ومحددة كسوسيولوجيا الاقتصاد، السياسة والدين  وغيرها...وقد عرف بعض الأمريكيين هذا الميدان بكونه يبحث في تحديد طبيعة المجال الإجتماعي والسيكولوجي المكون من طرف المدرسة وقياس مدى تأثير هدا المجال على التلاميذ في كل مراحل تكوينهم : التحصيل المعرفي، تحسين السلوك أو تحضيرهم قيميا، وتقوم أيضا بدراسة منظمة للعوامل المؤثرة خارجيا على المدرسة نفسها، آخدة منابعها سواء من خلال متطلبات مختلف المهن أو المتطلبات الحالية للمجتمع2 . كما أن هذه التربية المأمولة  والتي تهدف إلى تعليم الطفل كيفية العيش والحياة والاندماج في المجتمع أكثر من تعليمه كيفية العمل الملقن داخل المدرسة ، تظهر الآن، غير قادرة على أداء هذا الدور المنوط بها، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار المضمون الثقافي والاجتماعي الذي من خلاله يمكن أن يكون البناء فعالا، وكل بحث علمي يجب أن يحدد موضوعه بدقة، رغم أن الخطاب العلمي المعاصر لم يعد أكثر صرامة حين يتعلق الأمر بالقطيعة الإبستمولوجية بين الفعل والمعرفة، وسوسيولوجيا التربية هو الميدان الأكثر ملائمة لدراسة ما نحن بصدده، وهي تتضمن مستويين : الأول : تحلل وظيفة المدرسة في اطار المجتمع والعلاقات التي توجد بين المدرسة والمجتمع. الثاني : تحلل المؤسسة التعليمية بصفتها مجتمعا مصغرا، وتحاول إيجاد روابط العلاقات بين هذا المجتمع  المصغر والمجتمع الكلي إنطلاقا من مشاكل مجسدة في المؤسسة المدرسية.

وسوسيولوجيا التربية بصفة عامة تهدف إلى البحث في العلاقة بين النظام الخاص للتربية والمجتمع الكلي الذي تنتمي إليه، بكل جوانبه التنظيمية، التاريخية والايديولوجية.... وتسليط الضوء على تأثير هذا النظام على السيرورة التكوينية للجماعات والأفراد، في إكتساب المعرفة التي تؤثر سلبا أو إيجابا في الحراك الاجتماعي أو اللامساواة الاجتماعية، وتندرج في هذا الإطار دراسات كبار سوسيولوجيي التربية المعاصرين بورديو و باسرون اللذين يريان في المدرسة آلة لإعادة انتاج المجتمع الطبقي وتلعب دورا في المحافظة على البنية الاجتماعية القائمة.

إن السوسيولوجي عليه أن يتذكر أن مجاله هو دراسة مقارنة ووراثية للواقعة الاجتماعية كما يرى كاستون ريتشارد. ويقوي ذلك بالمقارنة بين الافكار البيداغوجية للانظمة التربوية السائدة، وكذا اكتشاف قوى عميقة للتطور الاجتماعي في ميدان التربية،  كما لايجب انكار التأثير المتبادل بين البنية الاقتصادية والاجتماعية والنظام التعليمي والأفكار الثقافية السائدة في المجتمع، وكل خلل في البنية الاجتماعية يعلن بشكل مباشر عدم كفاية الانظمة التربوية، واخطاء التوجيه الدراسي ونقص التكوين.

وسوسيولوجيا التربية تبعا لذلك تحاول إيجاد الحلول أو على الأقل جعل كل ما يؤثر في المؤسسة المدرسية من بعيد أو قريب موضع تساؤل مستمر، أملا، في إيجاد الصيغة التربوية الكفيلة للنهوض بمجتمع ما، وضمان فرص تعليمية متساوية لأبناءه، من أجل مستقبل أفضل وتفاديا لهفوات تربوية تعيق تنمية المجتمع وتؤثر سلبا في تنشئة اجتماعية سليمة للجيل الصاعد، إلا أن العمل من أجل ترسيخ هذه التربية الحديثة وتوفير شروط نجاعتها يتطلب جهدا كبيرا لصنع المستقبل المرتقب لأطفال يولدون اليوم، يقول عالم الاجتماع المصري سعد الدين إبراهيم :  »إن أسوأ صورة للمستقبل هي تلك التي تنتج عن الموقف السلبي من محاولة صنع المستقبل، موقف التخلي عن الإرادة الإنسانية، وترك الأحداث تصنع مستقبل الناس « .

       إن الهدف الحقيقي للتربية ومناهجها يجب أن يراعي بكل موضوعية حاجيات العدالة الاجتماعية لجعل العلم والتجربة يساهمان أكثر في فهمنا للطفل والفرد والمجتمع3  .وقد حددت المجموعة الفرنسية للتربية الحديثة والتي يرأسها  كاستون ميالاري، أهداف التربية في ثلاث : أولا على التربية الحديثة أن تتماشى والحياة الحاضرة،ثانيا : التربية الحديثة يجب أن يكون هدفها المستقبل الذي سيعيشه أطفال اليوم، ثالثا : التربية الحديثة يجب أن تشارك في تحديد وخلق الإنسان ومجتمع الغد4.

والتربية في معناها العام هي فعل اجتماعي، وأكثر من ذلك تواصل أفكار، فن وتقنيات، إنها من أجل الكينونة والفكر ورد الفعل، والتربية تتضمن في عين السوسيولوجي سيرورة تثقيف ومن خلالها يتم تحديد ميكانيزمات الوظيفة التربوية للمجتمع وطرق إدماج الفرد في هذا المجتمع، إلا أننا لايمكن أن نتحدث عن تربية فعالة إلا في مجتمع ديمقراطي حيث هناك توازن بين المتطلبات الاجتماعية وحقوق الأفراد، والديمقراطية كما يرى ايمانويل توود تتحقق تلقائيا في أي مجتمع حين تصل نسبة المتعلمين 70%.حيث يصعب الحديث عن الديمقراطية في مجتمع أمي إن التربية بهذا المفهوم تهدف إلى بناء مجتمع ديمقراطي وترفض مفهوم النظرة السلبية نحو المستقبل، إنها تريد خلق الإنسان القادر على مواجهة عالم الغد، ليس كائنا متفوقا، وليس خاضعا، ولكن إنسانا واعيا بسلطتة، بمسؤولياته وحقوقه، إن التربية الحديثة لاتحمل حلولا تطبيقية لكل المشاكل وإنما تبحث في طرق ووسائل حلها، وتلعب الأسرة والمدرسة دورا رياديا في ميدان التربية والتنشئة الاجتماعية، فالمؤسسة التعليمية لايمكن فصلها عن المجتمع باعتبارها مؤسسة اجتماعية وهي بالتالي عكسة لحالة اجتماعية،وأحد عوامل التحول الاجتماعي.والمجتمع هو المكان الذي يحتضن المدرسة، وفي نفس الوقت منبع التحفيز للطفل، وتغيير وإصلاح المدرسة لا يمكن أن يتم دون حدوث تغييرات اجتماعية، وكل نظام تربوي يجب أن يجيب عن سؤال رئيسي : أي نوع من الأفراد المكونين لأي نوع من المجتمع؟ وهو سؤال له علاقة وطيدة بنمط الإنتاج السائد.

إلا أنه في الدول الثالثية، تمارس الهيمنة الخارجية ضغطا أيضا على المستوى الثقافي، والأنظمة التعليمية في هاته البلدان ليست إبداعات محلية وإنما موروثة من العهد الكولونيالي أو منقولة طبق الأصل لأنظمة الدول المتقدمة، حيث لاتراعي الخصوصيات التي تميز كل مجتمع، مما يجعل المضامين والطرق المتبعة لاتلبي الحاجيات الحقيقية للأغلبية الساحقة لأبناء الشعب ولا تساعد على معرفة المشاكل ولا على حلها. يقول  جون بوردا : إن كل جيل لا يتيح الفرص المقابلة وحل المشكلات الجديدة، بل يبدأ بالحلول الموروثة عن الأجداد وهذا هو السبب في أن الجهود العلاجية المبذولة تتقدم ببطء.

 

هوامش

 ج. كورفيتش  المهنة الحالية للسوسيولوجيا . باريس المطابع الجامعية الفرنسية 1950  1

ب. جاكار سوسيولوجية التربية . بايو باريس 19622

التعربف المعطي من طرف الجمعية الدولية للتربيةا لحديثة في العدد الاول من الحقبة الجديدة . يناير 1922   3

تحت اشراف ك. ميالاري. التربية الحديثة والعالم العصري  المطابع الجامعية الفرنسية ط 1 . 1966 4

  

مسالة المدرسة الوصل والفصل

  مسالة المدرسة الوصل والفصل بين التربية والتنمية 

 

الحديث عن المستقبل، يضعنا أمام أنفسنا، أمام واقعنا المعاش، والحديث عن الغد هو حديث عن أطفال يولدون اليوم، والحديث عن الطفولة هو حديث عن التنمية والتي تعني تنمية الظروف المادية للحياة وتنمية الجوانب الروحية والثقافية سواء بسواء.

وهكذا لايمكن الحديث عن تنمية دون الحديث عن التربية. فهي أساس التنمية وركيزتها، فالمفهومان لابد أن يتقاطعا في نقطة واحدة وأن تتحد مسيرتهما على خط تصاعدي في حركة التطور. وإذا لم يحصل التفاعل والانسجام بين التنمية والتكوين الدراسي للطفل فلن يمكن الحديث عن المستقبل. لأن الطفل لازال نسبيا في نظرة مجتمعنا مجرد مخلوق بريء  يدخل السرور ويثري الحياة الزوجية بنكهة خاصة، الطفل في مجتمعنا الحالي لم يرق في وجداننا إلى ذلك المستوى المطلوب ليصبح قضية وهاجسا.

 

لقد كان أكبر دليل على العلاقة القائمة بين تنمية المجتمعات والتربية أو الثقافة ماجاءت به التوصية رقم 27 من إعلان مكسيكو أثر المؤثمر الدولي للسياسات الثقافية الذي عقد بإشراف اليونسكو في المكسيك سنة 1982 : »   إن الثقافة تشكل جزءا جوهريا من حياة كل فرد وحياة كل جماعة وأن التنمية التي يجب أن يكون هدفها الأول منصبا على الإنسان، يجب أن يكون لها بعد ثقافي ». فبدون تربية لايمكن الحديث عن الغد، والأطفال في كل أمة يشكلون نصف الحاضر وكل المستقبل، وكل الجهود يجب أن تنصب على عملية التنشئة الاجتماعية. والتنشئة تعني العمل للمستقبل. والوقفة المستقبلية تلائم التربية كل الملائمة. ولنعين المعنيات ببعض المسؤولية والموضوعية لكي لانقع في مملكة الأوهام. لن يخرج عالم الغد من المدرسة حتى لو أخدت في أوسع معانيها، فالمدرسة واحد من عوامل التطور المجتمعي، ولكنها ليست العامل الوحيد، ومفهوم الإعداد يجب أن ينفسح على نحوين : إعداد عالم الغد وإعداد الأطفال لعالم الغد .وعالم الغد هذا الذي يتحدث عنه ميالاريه ليس العالم العفوي التلقائي، بل عالم مخطط له بشكل جيد وذلك عن طريق عملية التنشئة الاجتماعية وتربية فعالة تضمن كل الحقوق والواجبات لأطفال اليوم.

 

إن دراسة من هذا النوع حول التربية والتنشئة الاجتماعية والتي تنتمي إلى حقل سوسيولوجيا التربية ليس بالأمر السهل، وذلك لانعدام الدراسات الجادة في الميدان في مجتمعنا. حول الطفل والتربية، وليس من المنظور البيداغوجي والاستراتيجيات المفاهيمية التعليمية كما يرى ذلك علماء التربية، بل يجب أن تدرس وتؤخد بعين الاعتبار ليس فقط ميكانيزمات التلقين وكيفية التعليم، ولكن كل ما يتعلق بالمؤسسات التي تؤثر من بعيد أو قريب على تنشئة الطفل، وسوسيولوجيا التربية هو ذلك العلم الذي يطبق مبادئ علم الاجتماع على التربية ويعتبر أن التربية تمارس تأثيراتها لا في المدرسة وحدها ولكن من خلال مؤسسات اجتماعية أخرى متعددة مثل الأسرة والبيئة المحلية والمجتمع القومي وما يوجد فيه من وسائط ثقافية أخرى.  وميدان سوسيولوجيا التربية يتميز بالانفتاح والنقد والتساؤل المنظم حول الشروط السوسيوثقافية العلمية لاكتساب المعرفة ومن هنا نصل إلى القول بأن البحث في التربية يتجه نحو وضع المؤسسة التعليمية والأسرية وغيرهما من القنوات التربوية موضع تساؤل مستمر، وسوسيولوجيا التربية كفرع من فروع علم الاجتماع تتميز بتعدد القضايا التي تشتغل عليها وبقوة نقدها ويقظتها المعرفية وهدفها التطوري والقفز عن كل سلبيات الحاضر، فالاهتمام بقضايا التربية هو قديم قدم التفكير الإنساني نظرا لما تشكله من دور فعال وثقل في تطور المجتمعات، إنها باختصار المرآة التي تعكس الصورة الحقيقية لأي مجتمع كان. والتربية ظل يطبعها دائما طابع العمومية والمثالية حتى ظهور المجتمع الصناعي حيث أضحت الحاجة ضرورية لظهور مؤسسات تهتم بعالم التربية والتنشئة الاجتماعية وعلى رأسها المؤسسة التعليمية كمتمم لدور الأسرة وكبديل في بعض الأحيان.

 

والدارس في حقل سوسيولوجيا التربية يجد نفسه دائما أمام تساؤل مستمر عن علاقة التربية بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية وكل المؤسسات الاجتماعية التي تهدف إلى تنشئة الطفل، وكلها عوامل تتميز بكثير من التداخل والتناقض وعدم الوضوح.

إن بدايات هذا العلم وتعريفه تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر، ومع دروس  E. Durkheim  والتي نشرت بعد وفاته تحت عنوان التربية الذهنية، والتي ضمت تعريفا للتربية كما تضمنتها أيضا مؤلفاته الأخرى، إلى جانب دراسات  Paul Lapie حول المدرسة والحراك الاجتماعي وكذا Sorokin. كما صادف ماركس Marx Kأيضا المدرسة في تحليلاته الاقتصادية في رأس المال وعند نقده لمخطط Gotha. كما عالج M. Weber أيضا العلاقات والروابط بين أنواع تنظيمات السلطة وأنواع الأفكار التربوية في الاقتصاد والمجتمع.

 

إلا أن دوركهايم كان الأكثر تأثيرا باتجاهه الإصلاحي الإنساني حيث يحدد موقفه من التربية على أنها شيء اجتماعي chose sociale.يعني أنها تضع الطفل في وضع مباشر مع مجتمع محدد، وأنها تطبيع اجتماعي Socialisation . ويضيف Durkheim في تفسيره لماهية التربية فيقول : التربية هي الفعل الممارس من طرف الجيل البالغ على الأجيال التي لم تتأهل بعد للحياة الاجتماعية وهدفها أن تنمي في حالاته الفيزيائية والثقافية والذهنية التي يحتاجها هو والمجتمع السياسي في مجمله والمجال الاجتماعي الذي ينتمي إليه. والتطييع الاجتماعي الذي يتحدث عنه Durkheim هو تلك الآلية التي يتم من خلالها دمج الناشئة ضمن نسيج نمط حياة سائد في المجتمع.وفق متطلبات كل نمط وتوافقاته العلائقية والمعرفية. والتطبيع الاجتماعي عملية ثنائية الجانب :

                          ·      استيعاب الناشئة للتجربة الاجتماعية بالدخول في البيئة الاجتماعية. في نظام العلاقات الاجتماعية.

·        عملية تجديد انتاج نظام العلاقات الاجتماعية من طرف الناشئة.

             ويؤكد Durkheim على دور الدولة في الإاشراف على التربية باعتبارها الساهرة  على تسيير المؤسسات التربوية لخلق ذلك الانسان المطلوب والمرغوب فيه اجتماعيا. ولذا يرى Durkheim أن هدف التربية تحقيق الإنسان لا كما خلقته الطبيعة. وإنما هو الإنسان كما يريد المجتمع أن يكون. ولذلك فهو يقول : في كل منا يوجد كائنان لا يمكن الفصل بينهما  إلا على نحو تجريدي، أحدهما نتاج كل الحالات الدهنية الخاصة بنا وبحياتنا الشخصية وهو مانطلق عليه الكائن الفردي، أما الكائن الآخر فهو نظام من الافكار والمشاعر والعادات التي لا تعبر عن شخصيتنا بل عن شخصية الجماعة والمجتمع الذي ننتمي إليه كالعقائد الدينية والممارسات الأخلاقية والتقاليد القومية والمشاعر الجمعية من أي نوع، وهي تشكل في مجموعها الكائن الاجتماعي الآخر. وبناء مثل هذا الكائن الاجتماعي يمثل في نهاية المطاف هذف التربية وغايتها.

 

وهناك اتجاه آخر في التربية وهو اتجاه اقتصادي في التربية ويعني الاستثمار في التربية حيث لجأت بعض المجتمعات إلى جعل التربية في خدمة الاقتصادي وهو ما أفقد التربية قيمتها الثقافية والانسانية وجعلها ماكينة لإتناج روبوات جاهزة لسوق الشغل.بعيدا كل البعد عن المعايير الاخلاقية التي تنبني عليها التربية. بل يركز هذا الاتجاه فقط في تلبية حاجيات السوق.مما جعل التربية في مفترق الطرق بين اقتصاد السوق والتنشئة الاجتماعية.

 

إلا أن قصور الاتجاه الأول إن لم نقل فشله. لدوره المحافظ. وكذا احادية التأثير التي دعا إليها. وهذه الاحادية تتمثل بتوجيه عملية التطبيع الاجتماعي العلائقي من المجتمع إلى الفرد فقط. وأيضا فشل الاتجاه الثاني تربويا. أدى إلى ابراز أهمية اتجاه آخر  احتل مكانة مرموقة في تاريخ سوسيولوجيا التربية وهو الاتجاه النقدي الذي يمـثـلـه رائـــــداه J. c. Passeron و  P. Bourdieu حيث يؤكد ذلك  François Dubet بقوله : فرضت سوسيولوجيا التربية كما عرضها Bourdieu و  Passeronفي كتابهما الورثة Les héritiers نفسها كأنمودج Paradigme فعلي، أنها نظرية  كلية يتحدد اتجاهها كل واحد مؤيدا كان أم معارضا لها وينبغي فعلا أن نعترف بأن جل علماء الاجتماع كانوا ولمدة طويلة مؤيدين لهذه النظرية. معتبرين أعمالهم إما كامتداد أو كتوضيح لها، كما هي معروضة في كتاب إعادة الانتاج La reproduction إنها قلب نـقـدي للمـفاهــيـم الكـلاسـيـكـيـة عـــن الــمدرسة والتربية . إنها نظرية من القوة بمكان، بحيث لم تعوض بأية نظرية آخرى في مثل صلابتها  وتماسكها ورحابتها،  وكل عالم اجتماع التربية، وهو يمر عبر هذه النظرية يستفيد منها ويقارن داته اتجاهها. إذ لاوجود بالفعل لنظرية آخرى هي في الآن نفسه، نطرية عن المدرسة، ونظرية عن الحركية الاجتماعية Mobilité sociale ، ونظرية عن المجتمع ونظرية عن الفعل، لقد انطلق الباحثان من مفاهيم ماركسية كمفهوم صراع الطبقات واعادة الانتاج والاستغلال، حيث تمت دراسة التعليم ودوره في الاقتصاد والانتقاء والتهميش للطبقات الدنيا... إلاأن  المشهود لهم هو اثارتهم لمواضيع مهمة ومعقدة ومسكوت عنها باستفادتهم من الإرث الماركسي للكشف عن أسرار الظاهرة التربوية بمختلف جوانبها. واعتمدوا حصائيات ميدانية عن علاقة المدرسة بالوضع الاجتماعي وكان كتابهم الورثة زاخرا بالاحصائيات والنتائج عن ولوج الطلبة للمعاهد والجامعات. إن أساس الارث الثقافي ينتقل بطريقة غير مكشوفة  وغير مباشرة وفي غياب أي مجهود منهجي أو أي  فعل ممارس.وهو دليل على التفاوتات المعرفية بين الطلبة المنحدرين من عائلات ميسورة وأولئك الذين ينتمون إلى طبقات مهمشة، ويضيفا، أن الاختلاف  الذي يفصل بين الطلبة في ميدان الثقافة الحرة يعود دوما إلى مواهب أو تفاوتات طبقية.

 

وبذالك يرون على أن الفوارق الاجتماعية والطبقية ترجع أساسا لعدم وجود تكافؤ فرص ولوج المدرسة، ويواكبان فيما بعد خيبات الأمل الناتجة عن ظاهرة تعميم التعليم على مختلف الشرائح الاجتماعية، ولكن لاسبيل كما يرى الباحثان من الدرسة باعتبارها الطريق الوحيد بالنسبة لابناء الطبقة المهمشة لولوج عالم المعرفة، وفي الآخير المدرسة لا يمكنها إلا أن تضمن وترسخ بقوة واقعا طبقيا.

إضافة إلى هذين الباحثين باعتبارهما رائدين لسوسيولوجيا التربية الفرنسية نجد باحثا آخر وهو Raymond Boudon بكتابه الشهير اللامساواة في الحظوظ L’inégalité  des chances يحاول من خلاله ايجاد العلاقة بين التربية والحراك الاجتماعي أي عدم تكافؤ الفرص بالنسبة للتعليم والحراك الاجتماعي في احتمالية ولوج مختلف المستويات السوسيومهنية، أما المقاربة المنهجية فتحدد في تحليل الانساق كما يصرح بذلك Boudon  فيقول : نعتمد منظور تحليل الانساق، وننطلق من مبدأ  أساسي يعتبر بأن اللامساواة في الحراك الاجتماعي نتيجة مجموعة معقدة من المحددات التي لا يمكن عزل بعضها عن البعض الآخر، وإنما يتعين النظر إليها كنسق. وفي تحليله للحراك الاجتماعي وعلاقته بالتطور يستدل بدراسات Sorokin نتيجة في هذا المجال فهو يعتبر الحراك الاجتماعي نتيجة معقدة لتصفية الأفراد بواسطة متتالية تحددها المؤسسات الموجهة وطبيعة وعدد وأهمية هاته المؤسسات تختلف من مجتمع إلى آخر. إلا أنه يجمع في الأخير على دور المؤسسة الأولى الأسرة وكذا المدرسة في عملية الحراك الاجتماعي أو عندما يتعلق الأمر بتحديد المستوى الثقافي والمدرسي وبصفة عامة المؤهلات المدرسية للطفل.

 

إلا أن سوسيولوجيي التربية يجمعون على أن التربية والتنشئة الاجتماعية  للناشئة لايمكن تحقيقه إلا في إطار علاقات تبعية متبادلة Interdépendants بين جميع مكونات المؤسسات التوجيهية الساهرة على التربية والتنشئة ويصلون في الأخير إلى اختزال  هاته المؤسسات في اثنان المؤسسة الأسرية، المدرسية ثم تأثيرالبيئة الاجتماعية، إلا ان التبادلات أو العلاقات بينهما ليست دائما محققة ولها نفس الهدف. ولكن في أفق تحقيق هاته التربية المأمولة تبقى أيضا العلاقات سارية المفعول بينهما ولو بشكل متفاوت.إلا أن عوامل التربية تختلف حسب سن الطفل بحيث تكون الأسرة ذات أهمية في السنوات الأولى من حياة الطفل، ثم تقسم المدرسة هذا الدور مع الأسرة بعد ذلك في سن متوسط ثم تأثير المحيط الاجتماعي في وقت متقدم. لهذا يجد الطفل نفسه متمركزا بين مؤسسات مختلفة كل واحدة تعتبر نفسها كمركز بالنسبة للمؤسسات الأخرى وظهور هذه المؤسسات جاء نتيجة رغبة المجتمع في تنظيم مقاطع داخل المجتمع بهدف معالجة إشكالية التربية وتجلياتها التي ينبغي تنظيمها وتأطيرها.

 

فالتربية إذن من خلال هذا الشكل هي تفاعلات عديدة ومتبادلة بين مؤسسات المجتمع، فهي تهدف إلى إعداد الكائن الاجتماعي، ويرى Durkheim في كتابه قواعد المنهج السوسيولوجي انها المسؤولة عن إتاحة فرص النمو لكي يتحقق في هؤلاء الأفراد ألوانا من الفكر والعاطفة والسلوك، التي ما كان يستطيع تمثيلها بنفس الدرجة والمستوى لو ترك وشأنه، ويضيف أن الموضوع الحقيقي للتربية ليس شيئا آخر غير إعداد الكائن البشري، والتربية عملية تعليم وتعلم لأنماط متوقعة من السلوك الإنساني  فهي بذلك عمل إنساني وليست شيئا يمتلكه الأفراد ولكنها عملية لها مراحلها وأهدافها، والطفل يرث بعض الأسس البيولوجية عن الآباء ولكنه يكتسب المكونات النفسية والاجتماعية لشخصيته عن طريق التربية، ليكون عضوا فعالا داخل المجتمع. وهو تعبير عن اجتماعية التربية، حيث يتمثل عطاء التربية للمجتمع من خلال :

                          ·   إعداد النظم الاجتماعية بالقوى البشرية.

                          ·   تطوير ثقافة المجتمع.

الضبط الاجتماعي : le contrôle Sociale ويعرفه George Gurvitch بأنه : مجموعة النماذج الثقافية والرموز الجمعية والمعاني الروحية المشتركة والقيم والأفكار والمثل وكذلك الأعمال والعمليات المتصلة بها مباشرة والتي بها يستطيع المجتمع والجمع وكل فرد أن يقضي على الصراع والضيق الحادثين في داخله عن طريق اتزان مؤقت. وأن يتخد خطوات نحو جهود مبتكرة ذات آثار فعالة.

 

والتربية تأخد بعين الاعتبار الفرد من كل النواحي : المعرفية، العاطفية والتأثيرية، وشخصية الفرد المعاصر شخصية متعددة الأوجه معرض لأنظمة أدوار مختلفة منغلقة ومتطورة، مطالب بإمكانية الاختيار والتي في مجملها متضادة تجعل كل محاولة من الخطر بمكان من أجل تحقيق مستقبله في ظل ترسيمات احتمالية . ويرى John Dewey أن للتربية ثلاث أهداف : التطور الطبيعي Le développement naturel والفعالية الاجتماعية l’efficacité Sociale والثقافة la culture  وتربية المجتمع هي تربية عقلية بالأساس وهاته الأخيرة  هي التي تضع الفرد في خدمة تطوعية للجماعة ، وهذا ما يظهر جليا من خلال البدايات الأولى للتربية في المجتمعات القديمة وهي تربية غير مقصودة حيث تتم بمشاركة الأطفال للكبار في العمل وبعد إتقانه يصبح الطفل  عضوا في الجماعة، شيئا فشيئا بدأت تظهر بعض الحرف أو شبه مهن. لها معتنقوها كالذين يتعاطون للسحر وآخرون يمارسون الطب، هؤلاء كانوا يكونون نظاما له تقاليده وتعاليمه أصبحوا فيها بعد جماعة للتعليم وتم بعد ذلك الانتقال من التربية الغير المقصودة إلى التربية المقصودة وهذا التمييز بين خبرات التعليم والخبرات العادية أدى إلى انفصال الخبرات التعليمية عن أنشطة الحياة العادية، وبدأ بذلك الظهور الأولي للمدرسة إلا أن هذا لم يكن السبب الوحيد في ظهور المدرسة بل كذلك تراكم الثرات التقافي واختراع الكتابة... وإذاكانت التربية هي وسيلة الجماعات الإنسانية للسيطرة على بيئتهم فإن الكتابة كانت وسيلة التربية لهذه السيطرة الاجتماعية وكانت المدرسة عند الإغريق تعني وقت الفراغ، مما يعني تخصيص وقت الفراغ للتعلم مما يدل على انفصال المدرسة وتمييزها عن الحياة. إلا أن هذا التطور في التربية المقصودة لم يقض نهائيا على التربية الغير المقصودة فحتى وقتنا الحاضر لازالت التربية عن طريق الصبينة هو النوع السائد لدى السواد الأعظم من أفراد المجتمع. وكذا دورها في تشكيل شخصية الطفل حيث يقضي ساعات محدودة داخل القسم والباقي خارجه وهذا دليل على أهمية التربية الغير المقصودة. وهكذا بدأت التربية تعود من خلال المدرسة مرة أخرى لتتصل بالحياة بعد أن بدت منفصلة عنها. وبعد أن كانت غاية في داتها، فالتربية في الوقت الحاضر تتصل بالحياة اتصالا وثيقا ولاتنعزل عن المجتمع الذي تخدمه، ولذلك أنشأ المجتمع المدرسة كمؤسسة اجتماعية لتقابل حاجة من حاجاته الأساسية، وهي تطبيع اجتماعي للأفراد لجعلهم أفرادا صالحين في المجتمع، وهي مؤسسة اجتماعية إلى جانب مؤسسات أخرى، ويقول في هذا الصدد Kel Patrick  في فلسفة التربية : أن المؤسسات الاجتماعية هي جميع التنظيمات الاجتماعية التي تنظم علاقة الأفراد بعضهم مع بعض هادفة من ذلك إلى تحقيق حياة أفضل . ولكل مؤسسة من هذه المؤسسات اهداف تعمل على تحقيقها في ظل نظام ثقافي سائد لتقوم بدورها في النظام الاجتماعي العام وبوظيفتها الاجتماعية داخل المجتمع، وتعمل على انسجام الفرد في الاطار الثقافي العام.

مثقفوا الزمن الرديء

مثقفوا الزمن الرديء 

 من هم انصار الحوار ومن هم اعداؤه?  ومن هم الديمقراطيون وغيرالديمقراطيون? من المثقف الحقيقي ومن المثقف الامي? من النخبة ومن العامة?

      اسفت كثيرا وانا اقرا مقالات عديدة بين اشخاص لا يتقاسمون نفس التفكير ونفس الاعتقاد اوصلتهم ثقافتهم الدنيئة الي حد الشتم والسب واحتقار الاخر٬ متناسين ان المعرفة بنيت علي الحوار٬ ام لم يتعلم بعد "ما يسمي مثقفونا" لغة الحوار?

لقد اصبحت السجالات والجدالات بين المفكربن العرب تنتقل من محتواها الفكري الخالص الي النزعة الايديولوجية الضيقة وتغلق صاحبها داخل دائرة افكاره الخاصة والوحيدة والتي لا يشاركه فيها احد وبذلك يكون قد حكم عليها بالموت البطيء.  فقد يتعدي الخلاف الفكري الي خلاف شخصي ممزوج بكل انواع القدح والشتم.    

     نتفهم تحاملهم الشديد المتجاوز لكل شكل علمي وميطودولوجي للحوار٬ تبنيهم لافكار لا تناقش وعداءهم  للفكر النقيض يحجب ابصارهم عن الوصول الي الحقيقة. هدا الانتقال من الوضوح الي الغموض ومن الجدال الراقي الي العنف الفكري  لا يجد ممبرراته سوي في الاختناق الفكري الدي نعيشه٬ من ضرب المعتقدات الدينية والشخصية الي التحربم والتكفير٬ يكون الفكر الحر قد القي انفاسه الاخيرة وحكم عليه بالموت قبل ان يولد.

       كتبت سيدة علمانية اكثر من سبع مقالات  لتشفي غليلها و تشتم شخصا لا يشاركها نفس الافكارتجادلت معه فقط  في مقابلة تلفزيونية٬ في حين حتي في فرنسا دات العلمانية القديمة لم يصل الجدال الفكري يوما مسثوي الحط والشتم للدين المسيحي بل تقتصر العلمانية عن فصل الدين عن الدولة من الناحية الادارية. في حين ينزلق بعض العلمانيين العرب الي شتم الين والاعتقاد بدون مببرر وانطلاقا من قناعات شخصية.

        وفي المقابل يتبني افراد وجماعات فكر منغلق لا يقبل النقاش ولا الجدال  يصل حد التكفير٬ بين هؤلاء واولائك شرخ عميق لازمة الفكر المتشردم٬ فكر الزمن الرديء.

        اتساءل وكجميع الشباب العربي في الداخل والخارج عن كيف نبني فكرا حرا متكاملا محترما يحترم الانسان كانسان اولا ويحترم الخصوصيات العقائدية لكل فرد مهما كانت توجهاته ٬ بعيدين عن كل انواع التطرف من كلا الجانبين. ومتي يتعلم  مثقفونا من اخطاء التاريخ ومن سلبيات الزمن الرد يئ ليكتبوا فكرا للتاريخ?

ضجيج الديمقراطية الوهمية

ضجيج الديمقراطية الوهمية.

 

          يكثر الحديث في الاونة الاخيرة عن الاصلاحات السياسية في  العالم العربي‚اصلاحات تهدف الى ترسيخ الديموقراطية وعصرنة قطاع الانتاج من اجل نهضة اقتصادية تتماشى و تطورات العصر وسوق المنافسة.                                   

إلا أن الإشكالية التي يمكن ان تطرح نفسها بقوة هي : كيف يمكن بناء ديموقراطية حقة في اوطان   اغلب ساكنتها اميين, او بمعنى اصح معظم مؤسساتها السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية غير مؤهلة بعد لهدا الاستحقاق. ان قاعدة العمل السوسيو اقتصادي- اجتماعي الصحيح  تهدف بالاساس  الى الاهتمام بالقطاعات الحيوية داخل المجتمع  كالصحة والتعليم والسكن..  ليس عيبا ان يكون مجتمع ما متخلفا ولكن العيب ان يذهب هذا المجتمع الى بناء قواعده الديموقراطية من الاعلى, اي استيراد النموذج الغربي المفترض بانه ديموقراطي وبذلك تكون مبنية على اسس هشة. اريد ان اقول ان الديموقراطية كمفهوم ومبدا وايضا كنموذج سياسي لا تستورد ولا تعطى ولكن تبنى, اذا فالمجتمعات العربية مطالبة ببناء ديموقراطياتها من الداخل بشكل تطوري مراعية خصوصيات الافراد والجماعات .

فمما لا شك فيه ان النماذج الديموقراطية بكل اطيافها تختلف باختلاف الازمنة والاماكن والظروف الاجتماعية والفكرية والدينية لمجتمع او امة ما, لذلك لن تكون الديموقراطية الغربية المثل الاعلى الذي يحتدى به, وحتى لا ننسى فان العالم العربي من حيث الانتاج الفكري والادبي لا ينتج ربع ما تنتجه دولة غربية او تركيا. ان  الفكر العربي المعاصر مطالب بمصالحة مع الدات مع اعادة النظر في مفهوم الثقافة ومفهوم الحكم والسلطة  ومفهوم المواطنة دون ان ننسى مفهوم الدين والاعتقا د.

ان اﺴﺌلة العالم العربي المعاصرة هي اﺌلة ملحة للظرفية التي يعيشها الكون, انها اﺌلة الحوار وحرية الفكر والصحافة ونزاهة الانتخابات بعيدا عن القهر والاستبداد‚ ان الطاقة البشرية الشابة في العالم العربي قوة يجب الاعتماد عليها والاستفادة  منها واعطاءها فرصة اكبر في المشاركة السياسية وصنع القرار,لانها الطريق الوحيد نحوغد افضل.

علينا ان نعي باننا مطالبين اكثر من اي وقت مضى ببناء قاعدة صلبة لديموقراطية حقة, فاالتحولات السياسية والتكتلات التي يشهدها العالم في ظل تسيير احادي لا يدع المجاال للخلافات البسيطة والاونية في المنطقة.

إن أسوأ صورة للمستقبل, يقول سعد الدين إبراهيم, هي تلك التي تنتج عن الموقف السلبي من محاولة صنع المستقبل، موقف التخلي عن الإرادة الإنسانية، وترك الأحداث تصنع مستقبل الناس.

ان بناء مجتمعات ديموقراطية هي قبل كل شيء ارادة مشتركة بين كل الفعاليات المجتمعية, بين كل مكونات المجتمع المدني اولا وبين المواطن والمؤسسات السياسية ثانيا. ان التخلي عن برامج بعيدة الامد ومحاولة ايجاد حلول ترقيعية للازمات والاﺴﺌﻨاس بها والعيش في ظلها يبطئ دوران عجلة التطور ويدخله في دوامة فارغة وسجالات عقيمة.

كما يعتبر الخوف من التغيير وعدم الرغبة في وجود معارضة  وقمع الصحافة والراي الحر, سببا كافيا لاغتيال الفكر والمعرفة.

ان التطور لا يعني فقط تحسين اوضاع المواطنين اقتصاديا وماديا, بقدر ما هو اعادة ربط الثقة بين الفرد والسلطة اي بين الحاكم والمحكوم. وهنا سيبرز مفتاح اللغز اي مفهوم تداول السلطة والمشاركة السياسية لكل مكونات الشعب في صنع القرار وتحديد المصير.

 

 

08.03.2007

مفهوم السلطة واشكالية التغيير


مفهوم السلطة واشكالية التغيير في العالم العربي

   

       قالها احدهم حتي في زمن الحرب٬ زمن التقهقهر والضعف وزمن اللا اخطاء. قال ان من حقه ان يفعل ما يشاء. بصفته الريس. الريس او الحاكم في الوطن العربي له الحق المطلق في فعل ما يريد٬ ان يريح البرلمانيين من الاتعاب و يحله بالكامل دون مبرر٬ ان يسترد حقاب الوزارات من وزراه ويمنحهم عطلة٬ ان يذهب بالشعب كاملا حتي الي الجحيم فهذا ايضا من اختصاصه.

      الحاكم اصبح من المقد سات في مفهوم السلطة العربية٬ والمدنس ان تقول او تنتقد الحاكم. فانت اذن متهم بتدنيس سلطته والمتهم٬ في هته الحال٬ متهم حتي ولو ثبتت براته.

      من المفارقات في الانظمة العربية ان الحاكم يخلد قي السلطة ما دام حيا٬ ويهتف له بالتخليد ميتا٬ فالحاكم العربي لا يموت ابدا. انهم اكثر الناس وفاءا للسلطة٬ احبوها حتي العظم ولن يتركوها حتي اخر الانفاس كما قال احدهم. لا يريدون ان يتركوها لاولاك الذين يريدون التغيير٬ لانهم – اي حاملوا فكر التغيير- قي نظر النخبة الحاكمة غير مؤهلين لهذا الاستحقاق و غير جديرين لهته المهمة. وهته نقطة مشتركة بين النخبة الحاكمة والمجنون.

        تتغير الد ساتير لتتماشي مع حاجيات الحاكم٬ ولا تتغير السلط لتتماشي مع الد ساتير او مع رغبة العامة من الشعب. الانسان العربي تﺁلف مع الوضع ولم يعد هو ايضا يريد التغيير. الخوف من التغيير اجهض حلم المستقبل٬ اغتال قكرة البناء المشترك لكل المكونات بمختلف اطيافها وانتمااتها. والعمل السياسي اجمالا لا ينضج بدون نقد وفكر اخر يحمل البديل.

      ان مفهوم السلطة الابدية في منظومة الحكم العربي لها جذورها في التاريخ٬ هذا المفهوم افقدها مصداقيتها٬ انتخاب الحكام العرب بالطريقة الحالية يغتال اي محاولة للخروج من المازق. فغياب فكر معارض ونقد بناء يطيل عمر هته السلط ولو علي حساب شعوب قتلتها الوعود وطول الانتظار.